عبد الرحيم الأسنوي
29
طبقات الشافعية
ولد بالموصل ، ليلة العاشر من شهر رمضان ، سنة تسع وثلاثين وخمسمائة . ومات أبوه وهو صغير ، فنشأ عند أخواله بني شداد ، فنسب إليهم ، وشداد جدّه لأمه ، وحفظ القرآن بالموصل ، وقرأ بالسبع ، وقرأ كثيرا من كتب القراءات والتفسير ، والحديث وشروحه ، وسمعها على الشيوخ ، وقرأ الفقه على أبي البركات بن الشيرجي المذكور قريبا ، واشتغل بالخلاف على سبط محمد بن يحيى تلميذ الغزالي ، وعلى غيره أيضا ثم انحدر إلى بغداد بعد التأهل التام ، ونزل بالمدرسة النظاميّة وتولّى الإعادة بها بعد وصوله بقليل ، فأقام بها نحو أربع سنين ، ثم عاد إلى الموصل وولي التدريس بها وانتفع به جماعة ، وصنّف في القضاء كتابا سمّاه « ملجأ الحكام عند التباس الأحكام » وكتابا في الحديث سمّاه « دلائل الأحكام » وكتابا في الفقه ، وسيرة السلطان صلاح الدين ، ثم حج في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة ، وزار القدس والخليل ثم دخل دمشق ، فطلبه صلاح الدين ، وسمع عليه شيئا من الحديث ، وكان في عزمه العود إلى الموصل ، فقرره صلاح الدين عنده ، ثم ولاه قضاء العسكر والقدس الشريف ، ثم تولّى قضاء حلب بعد موت صلاح الدين ، وحل عند صاحبها الظاهر في رتبة الوزارة والمشاورة ، ولم يكن لأحد معه حلّ ولا ربط ، وقرر له اقطاعا كبيرا فاعتنى ابن شداد بأمر أوقاف حلب ، وأمر الطلبة وجمعهم عليه ، فقصده الفقهاء من كل ناحية ، وعمرت في أيامه مدارس وأنشأ هو من ماله مدرسة ، ودار حديث ، ورباطا للصوفية ، فإن دخله كان كثيرا ، ولم يكن له ولد ولا أقارب ، ولا سيّما بعد موت الظاهر ، فإن ولده العزيز قد أقاموه مقامه ، وكان صغيرا تحت حجر أتابكه الطواشي شهاب الدين ، وكان لا يخرج عنهما شئ من الأمور ، وكان للفقهاء في أيامه حرمة تامّة ، خصوصا أهل مدرسته فإنهم كانوا يحضرون مجلس السلطان ، ويفطرون على سماطه في شهر رمضان ، وكان قد غلبه الكبر والهرم حتى لا يقدر على الحركة للصلاة إلا بمعين ، ومع ذلك كان حسن المحاضرة ، جميل المذاكرة ، وكان كثيرا ما ينشد : إن السلامة من ليلى وجارتها * أن لا تمرّ على حال بناديها حكى يوما ، قال : لما كنا في المدرسة النظاميّة ، اتفق جماعة من الفقهاء على استعمال حب البلاذر ، لأجل سرعة الحفظ والفهم ، فاجتمعوا ببعض الأطباء ، وسألوه